عشّاق المسرح هؤلاء!

12-01-2018
نصّ وصور

على بعد 300 كلم جنوب القاهرة تمكّنت النّساء الأقباط في قرية البرشا من محافظة المنيا من التعبير عن صوتهنّ بفضل المسرح وهو الهدف الذي أراد تحقيقه المشروع الإقليمي الدّراما، التنوّع والتّنمية الذي أطلقه برنامج ثقافة ميد المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي بين 2014 و2017.

يبدو المشهد من شرفة جمعيّة مصر للتّنمية المطلّة على قرية البرشا رائعا وكذلك أحلام الفتيات فكأنهنّ وضعن القرية تحت أقدامهنّ بعماراتها المطليّة بالإسمنت المشقّق و مآذنها الممتدّة بعيدا وأبراج الكنائس القريبة. و من هذا الحيّ المسيحيّ نرى تمثال النّسر الأبيض الذي يزيّن ذلك البيت المتباهي و "المنزل الأبيض" الذي تسكنه عائلة من البرلمانيين سيطرت منذ زمن بعيد على المشهد السياسي فالعلامات الخارجيّة للغنى و للمركز الاجتماعي و للانتماء الدّيني كثيرة في مختلف أرجاء الحي.

أمّا فتيات الفرقة المسرحيّة بانوراما البرشاالتي كوّنتها الجمعيّة منذ سنة 2014 فهن تتطلّعن إلى مجتمع أكثر مساواة يتجاوز التوتّرات المذهبيّة التي تطفو من حين إلى آخر إلى السّطح في محافظة المنيا التي تبعد قرابة 300 كلم عن القاهرة. لذلك هنّ تجدن أنّ مسرح الشارع الذي شرعن في ممارسته في إطار مشروع ثقافة ميد: الدّراما، التنوّع والتّنمية المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي يساعدهنّ على التّعبير عن رأيهنّ وعلى احتلال الفضاء العامّ (انظر المدوّنة al-qatr.com).

فسكّان القرية الذي يعتنق نصفهم المسيحيّة ونصفهم الآخر الإسلام يلتقون بعضهم البعض في أنهج البرشا الضيّقة بعرباتهم التي تجرّها الحمير أو في الريكشا الجماعيّة ولكن لا يتبادلون الزّيارات أبدا ويوجد بين حيّ المسلمين وحيّ الأقباط حدّ وهمي يحترمه الجميع حتّى وإن لم يرسم فعلا على أديم الأرض.

ولم تشارك سوى 8 نساء من أصل 25 عضوا في بانوراما البرشا في أنشطة مسرح الشّارع التي نظمتها في محافظة المنيا المنظّمة غير الحكوميّة "اختيار" الموجودة في القاهرة وهي تجمّع يعمل خاصّة للدّفاع عن حقوق المرأة بالتّعاون مع جمعيّات ومنسّقين محلّيين على الميدان و قد تمكّنوا في غضون عشرة أشهر تقريبا من إخراج عشرة عروض يدوم كلّ منها بين 10 و 20 دقيقة و قدّموها في كافّة أنحاء المحافظة تحت عنوان قطار القرى، كما تمّ أيضا تقديم عرض "الفرح" الذي كتبت نصّه و أخرجته فرقة البرشا، في تونس خلال شهر أغسطس الفارط ممّا زاد في فخر القرية بفرقته فحتّى أشدّ الأولياء معارضة للنّشاط بدت عليهم علامات الاقتناع عندما تمّت دعوة بناتهم خارج البلاد و عندما صفّق الجمهور لهم طويلا. فلم تعدن مجرّد فتيات لا قيمة لهنّ في مجتمع تمييزيّ بل بالعكس فهنّ نجحن في فرض ذاتهنّ حتّى و إن كان ذلك يجلب لهنّ في بعض الأحيان أحكاما اعتباطيّة و يعرضهنّ لكافّة أنواع النميمة.

وتقول يوستينا سمير، 28 سنة، وهي قائدة فريق مقدامة لا يوقفها شيء: " نعم يعتبرنا البعض مجانين أو بالأحرى مجنونات الجمعيّة ولكنّ ذلك لا يهمّنا كثيرا" وهي التي تدير الجمعيّة في غياب أختها التّوأم، الصحفيّة ومؤسّسة الجمعيّة بعد أن هاجرت إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة كما يتمنّى أن يفعل العديد من الجيران، بينما يوستينا فهي لا تحاول مغادرة البلاد بل هي مقتنعة بضرورة تطوير القرية من خلال الفنّ و الثقافة مع تقديم خدمات اجتماعيّة للمسيحيين و المسلمين معا و تقول لنا يوستينا : " لقد تعلّمت القليل من المسرح في الكنيسة و لكن عادة ما تتمّ التّفرقة بين الإناث و الذّكور كما أنّ المواضيع تقتصر على الجانب التعليمي و التربوي و خاصّة المواضيع الدّينيّة" و تشير إلى أنّ فرقة بانوراما البرشا تمثّل فعلا أوّل فرقة متخصّصة في مسرح الشّارع في كامل محافظة المنيا.

من حقّي الشّارع

في مدخل منزل في طور البناء أو في أرض مهجورة قرب اسلاك الضّغط العالي قرّرت يوستينا مع فريق المشروع الدّراما، التنوّع والتّنمية تقديم عرض " الفرح" وفي هذا القسم من المدينة الذي تسكنه أغلبيّة مسيحيّة عادة ما يمرّ المسلمون ففكرة ممثلات فرقة البرشا الهواة من وراء ذلك هي "رغم انّهم لا يسمحون لأطفالهم بممارسة المسرح ويعتبروننا متساهلات وأنّ الفنّ محرّم، يمكنهم المجيء لمشاهدتنا فقد يغيّرون رأيهم كما غيّرت عائلاتنا رأيها."

ولم تكن للفتيات الشجاعة الكافية لتقديم عروض في الشّارع ولكن في إطار المشروع اكتشفن أنّه قد حان الوقت للخروج من جدران الجمعيّة أو الكنسية للمطالبة بحقهنّ في التّواجد في الشّارع لكن مع المدرب شادي خليل مدير المشروع لدى جمعيّة "اختيار" شريك الدّراما، التنوّع والتّنمية تمكنّن من التغلّب على خجلهنّ.

و لم يعتمد خليل مقاربة ساكن المدينة الذي يقبل على القرويين ليملي عليهم ما يفعلونه بل ساعدهنّ على الإفصاح عن مشاعرهنّ و قام مع الفريق بجولة أخذته إلى 7 قرى في محافظة المنيا حيث نظّم في كلّ قرية ورشة على امتداد 5-7 أيّام لكلّ من يهمّه النّشاط. و يشير شادي خليل إلى أنّه " لم يكن من الممكن التعرّض مباشرة إلى العنف الطّائفي أو إلى مسألة الأقليّات فقرّرنا أن نعطي الكلمة للنّساء لأنهنّ تمثّلن الحلقة الضّعيفة في هذا المجتمع و كان لا بدّ أن تكتسبن ثقة في أنفسهنّ و أن تصغن خطابهنّ للمقاومة و قد فهمت على الميدان كيف يمكن للعنف الطّائفي أن يعطّل حركة المجتمع فغياب الثقة و عدم الانتماء يضرّ بإدراكهنّ للعديد من المسائل الأخرى".

وقد طلب شادي خليل من المثّلات الصّاعدات في اليوم الأوّل من الورشة أن تطرقن على أبواب مختلف مساكن القرية لتجمعن قصصا مختلفة فتبيّن أنّ الزّواج في محور الاهتمامات ولذلك قرّر الفريق أن يجعل منه الموضوع الأساسيّ لعرض "الفرح" وفي اليوم الثّاني طلب من المشاركات أن تتصوّرن أنهنّ تتحدّثن إلى " دميتهنّ" للتّعبير عن غضبهنّ تجاه الأشخاص الذين يوحون لهنّ مخاوف مفرطة وقد أشارت العديد منهنّ إلى المجتمع لأنّه يمنعهنّ من عيش حياتهنّ كما تردن.

أمّا اليوم الثالث فقد قضاه الفريق في جزيرة مخضرّة توجد على مقربة وتمكّنت الممثلات من التمتّع بالماء فخلال ساعات من الرّاحة التامة تمكّنن من تصوّر حياتهنّ خلال السّنوات الخمس القادمة وفي اليوم الأخير ارتجلن العرض مع ادراج أغاني خاصّة بحفلات الزواج قمن بتجميعها من هنا وهناك وفي كلّ مرّة تتصدّر احدى الممثلات على كرسيّ العروس وتتحدّث عن الزّواج بطريقتها.

تقول مارينا "حبّ المسرح يسري في عروقي وأنا أحبّ خاصّة الارتجال الذي يمكنّني من التّعبير عمّا لا أستطيع أن أقوله في الحياة وأنا قد غيّرت طريقتي في اللباس ولست اليوم تلك الفتاة التي تجلس في ركن معزول وعلى رأسها غطاء مع ارتداء سترة فضفاضة وأريد أن أواصل في تدريس المسرح إلى الشّباب لأنّني أعرف أنّني لن أمارسه كمهنة". مارينا تدرك أنّ شهادتها التقنيّة لن تمكّنها من العمل حتّى للقيام بأعمال يدويّة ولكنّها من أحبّاء المسرح وتؤمن بالتّغيير.