مهرجان الفيلم الأوروبي؛ ترفيه وإلهام وتحفيز

30-04-2018
Mohammad Ben Hussein

 عرض مهرجان الفيلم الأوروبي في عمّان قصص تحدّيات غريبة رفعها رياضيّون وفنّانون مثل راكب الأمواج البرتغالي الأسطوري الذي عرض مهاراته فوق الشّعاب المرجانيّة للمحيط الأطلسي وأولى بطلتين عالميّتين في رقصة الهيب هوب وقد استهوت العروض الحاضرين والنقّاد على حدّ السواء.
مثّلت التّظاهرة التي تواصلت عشرة أيّام فرصة للجماهير المحليّة للقاء وتجاذب أطراف الحديث مع الفنّانين وأبطال زهاء عشرين شريطا من كافّة أنحاء أوروبا وللتعلّم والتّشبيك والاستلهام من صناعة الأفلام المتطوّرة دائما وأبدا.
 

قد يكون مهرجان الفيلم الأوروبي مستهلّا لعهد جديد في صناعة الأفلام في الأردن إذ يمكنه فعلا أن يمثّل حافزا لنموّ صناعة السينما في المملكة التي تفتخر بمهاراتها في سرد القصص وبالمناظر الطبيعيّة الخلّابة في وادي رم والآثار المهيبة في البتراء وبصحرائها وكذلك العديد من المهارات المحليّة التي لم يتمّ استغلالها إلى حدّ الآن.

كان المهرجان الذي نظّمته شبكة الاتحاد الأوروبي للمعاهد الوطنيّة للثقافة (EUNIC) أواخر 2017 في عمّان مسلّيا و ملهما في نفس الوقت وهو تظاهرة تحثّ أهل المهنة المحليّين على استغلال الثراء الثقافي المحلّي واستنساخ النّجاحات الأوروبيّة بنكهة محليّة.

أفلام وثائقيّة لخلق الإلهام 

قد يكون شريط " ساكا: حياة تياغو بيرس" أحد أكثر الأشرطة الوثائقيّة تشويقا وجاذبيّة ضمن الأفلام التي عرضت خلال المهرجان وهو يروي القصّة المعقّدة لحياة راكب أمواج يعيش في لشبونة لقّب بأمير البرتغال.

قال بيرس على هامش المهرجان: " أتمنّى أن تساعد قصّتي الشباب في الأردن على اتّباع طريق مماثلة لاكتشاف طاقاته الكامنة ولتبوّء مكان له في سجلّ التّاريخ" بعد أن تبادل مع الحاضرين حكايات حول تصوير الشريط الوثائقي والتحدّيات التي واجهها في حياته وأضاف أيضا:" يمكن انجاز مثل هذا الشريط الوثائقي حول حياة أيّ شابّ آخر من منطقة الشرق الأوسط وهي قصّة لكافّة الأجيال القادمة".

كما خلق الشريط الوثائقي" مارث ونيكي" ضجّة لدى المتفرّجين والنّاقدين وهو يروي قصّة حقيقيّة لسويديّتين ذات بشرة سوداء شقّتا طريقهما في عالم الهيب هوب الذي يهيمن عليه الذّكور حتّى تصدّرتا البطولة العالميّة لأوّل مرّة في تاريخ هذا النّوع من المسابقات.

تابع الشريط الحاصل على الجائزة نيكي ومارتا نابوير في مشوارهما نحو تسجيل اسميهما في تاريخ رقصة الهيب هوب وتبيّن القصّة المؤثّرة بفتراتها المثيرة مشوارهما الشاق نحو النّجاح وغزو عالم الهيب هوب.

دعت الرّاقصة والفنانة السويديّة نيكي تسابوسن التي سيسجّل التاريخ قصّة نجاحها على امتداد عقود كافّة الفنّانين الأردنيين الشبان للثقة في أنفسهم لتحقيق أهدافهم وقالت لهم:" لم يأتني أيّ شيء على طبق من ذهب لقد تعرّقت دما قبل أن أنال هذا الاعتراف" وأضافت نيكي:" أهدي قصّتي في الشريط إلى كلّ امرأة تعاني من أيّ شكل من أشكال التّمييز والوصم وأنا واثقة من أنّ الأردن يعدّ العديد من الأبطال والبطلات الذين يتشوّق العالم للاطلاع على قصصهم وهم فقط في حاجة لروايتها من خلف عدسة التّصوير".

صناعة أفلام رائدة

يمثّل مهرجان الفيلم الأوروبي في نسخته التاسعة عشر فرصة للكشف عن أفضل المواهب الأوروبية أمام الصناعة السنيمائية المحليّة وبهذه المناسبة قال اندريا ماتيو فونتانا، رئيس البعثة الأوروبيّة في عمّان:     "يهدف التّركيز على الأشرطة الوثائقيّة إلى الهام منتجي الأفلام الأردنيّين والأطراف المعنيّة في صناعة الانتاج السمعيّ البصريّ لسلك طريق مماثلة ولصناعة قصص النّجاح الخاصّة بهم". وأضاف أيضا: "تتوفّر للأردنيّين الموهبة والمؤسّسات الضروريّة لدعم تطوّرها لتصبح طرفا رائدا في صناعة الأفلام".

وجّه المهرجان دعوة للفنّانين وللخبراء في مجال الأفلام لتقاسم تجاربهم وقصص نجاحهم والمصاعب التي واجهوها وحسب غاييل صاندولين، مديرة المشروع لدى شبكة الاتحاد الأوروبي للمعاهد الوطنيّة للثقافة وهي الهيئة المنظّمة للتّظاهرة، فقد كانت مشاركتهم ممتعة وساعدت على خلق آفاق جديدة لتحسين الصّناعة المحلّية في المستقبل.

مرّت صناعة الإنتاج السمعي البصري الأردنيّة خلال العشريّات الفارطة بالعديد من التقلّبات ففي السّبعينات والثمانينات حظي الإنتاج الدّرامي المحليّ بشعبيّة عبر المنطقة العربيّة في الخليج وفي الشرق الأوسط لكنّ الملاحظين يرون أنّ المنافسة الشديدة التي فرضتها الصناعة السوريّة والمصريّة جرّت بالقطاع إلى شفا الانهيار. بيد أنّ السنوات الأخيرة سجّلت تحسّنا في القطاع بعد قدوم بعض منتجي الأفلام العاملين في هوليوود إلى الأردن لتصوير أفلام رائجة ذات ميزانيّة ضخمة وكذلك بعد نجاح أفلام بميزانيّة محدودة اهتمّت بإبراز جوانب فريدة من نوعها للبلاد ومفارقاتها واعتماد طريقة جذّابة لسرد القصص والأحداث.

إلى جانب استضافة أهمّ شركات الإنتاج لتصوير المشاهد عبر أنحاء الأردن لا يقتصر هذا البلد الصّغير على مجرّد توفير إطار لعرض المشاهير حيث يتوفّر في الأردن مزيج من الاستقرار السياسي ويد عاملة مؤهّلة وبنية تحتيّة ودعم من العائلة المالكة قادر على خلق صناعة قويّة من شأنها أن توفّر فرصا عديدة للعمل وأن تحارب البطالة.

يعلّق المسؤولون في الهيئة الملكيّة الأردنيّة للأفلام آمالا عريضة على تطوّر صناعة الأفلام بفضل العدد المتزايد للمهنيّين في القطاع والاهتمام بالمناظر الطبيعيّة الأردنيّة كما قد تساهم الشراكة القائمة مع مدرسة فنون السينما بجامعة جنوب كاليفورنيا وكذلك وجود معهد البحر الأحمر للفنون السينمائيّة في مدينة العقبة في تحفيز النموّ.

على سبيل المثال، يمثّل فيلم ديب المتحصّل على عديد الجوائز أحسن دليل على الطّاقات الكامنة للصناعة الأردنيّة في هذا الاختصاص وقد حصل الفيلم على اعجاب واعتراف عبر العالم وعرض في مهرجان كان السينمائي وتم اختياره ضمن قائمة المرشّحين للحصول على الأوسكار.

قالت ندى دوماني، المكلّفة بالاتصال والبرمجة الثقافيّة لدى الهيئة الملكيّة الأردنيّة للأفلام:" يتمثّل هدفنا في الوصول بصناعة الإنتاج السمعي البصري إلى مستوى المنافسة الدوليّة".

يتمتّع الأردن ببنية تحتيّة عصريّة وبطواقم مؤهّلة وبإجراءات تصوير مبسّطة دون تعطيلات إداريّة ودعم متين من الحكومة والقوات المسلّحة كما تم تخصيص حوافز ماليّة مغرية تتمثّل في إعفاء من الضرائب وخصم نقديّ.

شاركت المنتجة الفرنسيّة ستيفاني شورتر في جلسة مفتوحة للعموم حيث تبادلت وجهات النظر حول انتاج الأفلام انطلاقا من قصص واقعيّة وشجّعت المنتجين المحلّيين على اتباع حدسهم وعلى المجازفة.

يروي الفيلم الذي أنتجته تحت عنوان "تحوّل: قصّة خل " المعروف أكثر تحت عنوانه باللغة الانجليزيّة Reset قصّة واقعيّة لمصمّم الرّقصات الفرنسي بنجامان ميلبي وقد تمّ ترشيحه للحصول على جائزة أكثر الأشرطة الوثائقيّة شعبيّة في مهرجان ملبورن الدّولي.

تقول ستيفاني:" يمكن فعلا للأردن أن يوظّف قربه الجغرافي من المنتجين الأوروبيّين لكن لا بدّ للمنتجين أن يخاطروا لأنّه دون مجازفة لن يتمكّنوا من قطع خطوات إلى الأمام".