كليما-ميد : أبطال صغار يحاربون التغيرات المناخية

02-01-2020

في الصّباح الباكر من يوم الأحد، يبدو الطّقس مغيّماً في حمّام سوسة، إحدى مدن السّاحل التّونسي بعد أن تهاطلت الأمطار بالأمس وكسا الضّباب الكثيف ضفّتي وادي الحمّام لكن رغم التّوقّعات الجويّة لم يتوقّف عمّال البلديّة عن العمل في الضفّة اليمنى من الوادي لتهيئة عشرات الحفر التي سيتولّى سكّان المناطق المجاورة غراسة أشجار فيها خلال السّاعات القادمة في إطار مشروع كليما ميد المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي ويتمّ تنفيذه في ثماني بلدان تحت عنوان " العمل من أجل المناخ في جنوب المتوسّط".

يتداول الجميع منذ بضع سنوات مسألة تغيّر المناخ ومفعوله السلبيّ والخطيرعلى الأرض ويحاول كلّ من موقعه إيجاد الحلّ المناسب لكن يبدو أنّ عدد من يلمّون فعلا بهذه الظّاهرة المناخيّة محدود. يرتبط مفهوم التغيّر المناخي بالاحتباس الحراري الذي بدأ منذ عشرات السّنين وهو ينعكس على مستوى ارتفاع في معدّل درجات الحرارة ممّا أسفر خاصّة على ذوبان الأنهار الجليديّة وبالتّالي ارتفاع مستوى المياه وعلى تدنّي الموارد المائيّة في المناطق الجافّة على وجه الخصوص وزيادة وتيرة الظّواهر المناخيّة القصوى (العواصف والجفاف). تنتج هذه التغيّرات عن الأنشطة البشريّة والضّغط على الموارد الطبيعيّة ومازالت غراسة الأشجار تمثّل أبسط الحلول المتوفّرة لمواجهة تغيّر المناج لأنّها تمتصّ ثاني أكسيد الكربون، أحد أهمّ غازات الاحتباس الحراري.

منذ أن علمت فاطمة القابسي (11 سنة) أنّها ستشارك في نهاية الأسبوع في نشاط لغراسة الأشجار لم يهدأ لها بال وقد استيقظت اليوم منذ الصّباح الباكر وانتظرت بفارغ الصّبر لقاء مدرّساتها وأقرانها للتنقّل معا قرب ضفّة وادي الحمّام. قال لهم المدرّسون أنّ عمليّة الغراسة هي مبادرة بيئيّة ينجزها المواطنون للمساهمة في العناية بكوكب الأرض ومنذ أن علمت ذلك أصبحت فاطمة تهتمّ أكثر بالبيئة وقالت أنّها تريد محاربة التلوّث لتخفّف من معاناة كوكب الأرض. ما أن وصلت على عين المكان، ابتعدت فاطمة عن المجموعة واتّجهت راكضة نحو أوّل حفرة وقالت: " أريد أن اشرع مباشرة في العمل لغراسة الكثير من الأشجار!" لكنّ عبد الرزاق ماني، رئيس لجنة النّظافة وحفظ الصحّة والبيئية في بلديّة حمّام سوسة لحق بها بسرعة وعاد بها إلى المجموعة لينطلق مباشرة في تقديم البرنامج وفي شرح مدى أهميّة غراسة الأشجار. نجح عبد الرزّاق بفضل كلامه المرح في الاستحواذ على اهتمام الأطفال وفي إثارة فضولهم بعد أن أعلمهم أنّ ذلك اليوم سيشهد غراسة قرابة 600 شجرة وشجيرة في حمّام سوسة في إطار مشروع كليما ميد لمواجهة المفعول السلبيّ لتغيّر المناخ. توجّه عبد الرزاق ماني إلى الأطفال قائلا: " بفضل مساعدتكم أيّها الأطفال، سنغرس 300 من شتلات البزروميا و150 من شتلات الجمّيز و150 من شتلات الصّنوبر" وحاول الإجابة على جميع الأسئلة التي طرحت عليه باستخدام كلمات بسيطة لأنّه يعي تماما أنّ تنظيم حملة لغراسة الأشجار تمتدّ لسويعات لا يمكنها أن يغيّر الأوضاع على نحو فعّال بل لا بدّ من تحميل المواطنين من كافّة الفئات العمريّة المسؤوليّة وتوعية الجميع بضرورة إيلاء أكثر اهتماما بالبيئة للحفاظ على كوكبنا وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

الهواء الذي نتنفّسه

على غرار فاطمة يشارك العديد من الأطفال بكلّ حماسة في هذا النّشاط وخاصّة من بينهم أعضاء نادي رياضة الكاراتي في سوسة وقد انتشروا جميعا هنا وهناك بعضهم يحاول مسك الرّفش والآخر يمسك بالمعول أو بالفأس بينما يدفع غيره عربة نقّالة أو يسقي الشجيرات التي تمّت غراستها. أمّا المدرّسات فهنّ توزّعن أكوابا من المياه وسط غوغاء الأطفال التي اختلطت فيها صيحات الفرحة بالأهازيج. لقد تحوّلت الحملة إلى مهرجان لأخذ الصّور الذّاتيّة كما يتمّ نقلها مباشرة عبر مواقع التّواصل الاجتماعي.

يحمل ياسين لعتيري (14 سنة) الحزام الأخضر في رياضة الكاراتي وقد فرغ لتوّه من غراسة شجرة جمّيز فتوجّه نحونا قائلا: " يجب أن تكون تونس خضراء للأجيال القادمة" أمّا أنور بن عبد الله الذي يبلغ هو أيضا أربعة عشر سنة فقد توقّف لبرهة عن الريّ ليقول لنا: " الرّياضة هي الأكسجين الذي أتنفّسه أمّا غراسة الأشجار فستوفّر الأكسجين للجميع ليتنفّسوا هواء نقيّا".

طرح قضيّة البيئة داخل المدرسة

أصّرت أصالة السّالمي، مدرّسة اللغة العربيّة، على مرافقة طلبتها خلال هذا النّشاط الذي ينظّم يوم راحتها الأسبوعيّة لأنّها قضيّة عزيزة على قلبها وهي تنشّط أيضا منذ أربع سنوات نادي البيئة داخل المدرسة. أصالة محبوبة لدى الطّلبة لأنّها تجيب بكلّ صبر على جميع الأسئلة المتعلّقة باسم النّباتات وسنّها ومنشئها. قالت لنا أصالة: " أحاول في إطار نادي البيئة أن اجتذب اهتمام الأطفال لكنّ المعلومات النظريّة لا تكفي فهم يطالبون دائما بالمشاركة في الأعمال البيئيّة بعيدا عن قاعات الدّرس لذلك نالت هذه المبادرة اعجابهم لكنّها ليست كافية طبعا. لإحداث تغيير فعليّ لا بدّ من إدراج مادّة البيئة في البرنامج التّعليميّ لحثّ الطّلبة على الانخراط في هذا العمل لكنّني لا أريد أن أتعلّق بالأوهام فأنا أعي جيّدا بالنّقص الحاد في الموارد". التحق إياد القفصي (11 سنة) بالنّقاش ليقول بكلّ فخر: " أريد أن أضفي المزيد من الجمال على بلادي" وأردفت روّان بن عمر (11سنة) قائلة:" عند غراسة الأشجار أشعر أنّني أقوم بعمل مفيد". أمّا نور السبعي (12 سنة) وسحر الغندور (11سنة) فهما تريدنا إطلاق أسماء جديدة على الأشجار التي تمّت غراستها. هي كلمات مفعمة بالبراءة لكنّها تشير دون أيّ شكّ إلى اهتمام هؤلاء البستانيين الصّغار الذين فهموا الدّرس جيّدا ولن ينسوا أهميّة غراسة الأشجار لفائدة الطّبيعة والحفاظ على البيئة.

أهميّة إعادة التّشجير

يتمثّل الهدف متوسّط المدى من عمليّة غراسة الأشجار في تحويل الموقع المتاخم للوادي على امتداد كيلومتر ونصف إلى مسار صحيّ وقد قال لنا نائب رئيس بلديّة حمّام سوسة ورئيس الجمعيّة التّونسيّة للتّنشيط الثقافي و الشبابي والتّرفيه، شكري جغام: "نعمل على تحويل هذا القسم من المدينة الذي يعاني من التلوّث بسبب دكاكين الميكانيك و السّمكرة إلى فضاء للتّرفيه و إلى حديقة حضريّة جميلة" و أضاف قائلا: " يتمثّل دور المجتمع المدني في توعية المواطنين و المساهمة في تحسين جودة الحياة داخل فضائنا البلدي و سننجح في ذلك بفضل الدّعم الذي نتلقّاه من شركائنا مثل الاتحاد الأوروبي". حسب عبد الرزاق ماني، رئيس لجنة النّظافة وحفظ الصحّة والبيئة في بلديّة حمّام سوسة ينصّ المخطّط المحلّي لإعادة التّشجير الذي طالب به السكّان في إطار الدّيمقراطيّة التشاركيّة على غراسة 5000 شجرة. شرح لنا عبد الرزّاق ماني الأسباب التي تقف خلف هذه المخطّط البلدي: " للأسف تدخل المنطقة المتوسطيّة ضمن المناطق الأكثر عرضة لتداعيات تغيّر المناخ رغم أنّها لا تشارك على نحو مكثّف في هذه الظّاهرة ولا تتسبّب في انبعاثات كبيرة للغازات الدّفيئة. بيد أنّ غراسة الأشجار تشكّل طريقة ناجعة وفي المتناول لنواجه من خلالها تغيّر المناخ وتأثيراته السلبيّة".

كليما ميد: رفقا بالبيئة !

في إطار مشروع كليما ميد " العمل من أجل المناخ في جنوب المتوسّط" انتفعت ثماني بلديّات تونسيّة بدعم لتنظيم الأيّام الجهويّة لغراسة الأشجار تحت عنوان " رفقا بالبيئة". تحصّل المشروع على تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 7 مليون يورو وهو يمتدّ على أربع سنوات ويشمل ثماني بلدان متوسطيّة من بينها الجزائر والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس. شرحت لنا أمال مخلوف، الخبيرة السّامية في إطار برنامج كليما ميد لفائدة بلدان المغرب العربي أنّ تلك التّظاهرات تساعد على التّوعية وعلى تشريك المواطنين والسّلط المحليّة بشكل ملموس في الجهود العالميّة الهادفة إلى حماية البيئة ومكافحة تغيّر المناخ وقالت في هذا الصّدد:" تندرج هذه المبادرة في إطار أنشطة مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ COP 25 و قد حرصنا في كلّ مرّة على تشريك البلديّات و المجتمع المدني المحلّي في أعمالنا لتأخذ عنّا المشعل و لتنخرط في إعداد خطط عمل ناجعة بشأن الطّاقة المستدامة و البيئة و مقاومة تغيّر المناخ. يعمل برنامج كليما ميد على دعم السياسات والاستراتيجيّات في مجال الطّاقة المستدامة على المستوى المحلّي والوطني كما يقدّم المساعدة التقنيّة لفائدة إعداد وتنفيذ خطط العمل للنّفاذ إلى الطّاقة المستدامة وحول المناخ التي ينبغي أن تتطابق مع مبادئ الميثاق العالمي لرؤساء البلديّات وأن تفضي إلى تحديد أنشطة عمليّة تضطلع بها السّلط المحليّة في بلدان الجوار الجنوبي".

نصيحة حكيم

عندما اقتربت عقارب السّاعة من الثانية بعد الظّهر فرغت المجموعة من غراسة الأشجار وعاد الأطفال إلى منازلهم تغمرهم الغبطة أمّا عمّال البلديّة فقد شرعوا في طرح التّراب وتدعيم الأشجار والشجيرات لحمايتها ضدّ الرّياح. لم يكن لهذا النّشاط أن يشهد كلّ ذلك النّجاح لولا المساعدة القيّمة التي قدّمها الأستاذ الجامعي المتقاعد والمختصّ في الهندسة الميكانيكيّة، الحبيب بالطيّب. لقد حرص على الحضور رغم مرضه. شرح لنا بصوته المبحوح التّهديد الحقيقي الذي تواجهه البيئة اليوم: " هذا الاشكال يعنينا جميعا ولحسن حظّنا توجد العديد من الحلول البسيطة والفعّالة لكنّ غراسة خمسة آلاف شجرة ليس كافيا بل يجب أن نغرس منها خمسة ملايين!". رغم تخوّفه من المستقبل يحافظ الحبيب بالطيّب على تفاؤله إذ اختتم كلامه بقوله: " لقد أعادت لي مشاركة الأطفال في هذا النّشاط الكثير من الأمل لأنّ العديد منّا لا يدري ما سيجرى بعد خمسين سنة من الآن لكنّ تشريك الأطفال في مثل هذه المبادرات يمثّل أفضل طريقة لتأمين مستقبل أفضل لكوكبنا وللأجيال القادمة".