التّعاون بين الجزائر والاتحاد الأوروبي في مجال السّجون: عشر سنوات من الدّعم لفائدة إصلاح نظام السّجون

29-11-2018
طارق حفيظ

يحتفل الاتحاد الأوروبي والجزائر هذه السّنة بالذّكرى العاشرة للتّعاون بينهما في مجال السّجون وبهذه المناسبة تمّ يوم 8 أكتوبر 2018 في الجزائر العاصمة تنظيم مؤتمر لاستعراض التّعاون المخصّص لإنجاز إصلاحات هامّة لنظام السّجون.  

يقف أديب بكلّ فخر أمام الأحذية التي يصنعها بطريقة يدويّة في ورشته ولا تبدو عليه أيّ علامة من علامات الإحراج تجاه الوفد الذي يقوده المدير العام لإدارة السّجون الجزائريّة وسفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر عند مروره بجانب الجناح الصّغير الذي يعرض فيه أديب نتاج عمله الشاق.

يقول أديب، 44 سنة وهو يشير إلى الخياطة البارزة على نعل :" أنا أوّل حرفيّ يصنع الأحذية والأنعال باستخدام الخيط وهي تقنية اخترعها منذ زمن طويل صيّادون عراقيّون يعملون على ضفاف نهري دجلة والفرات مستعملين في ذلك شباكهم" ذلك أنّ أديب عاش لسنوات طويلة في العراق وهو يعترف بأنّه "مرّ بمحن كثيرة في حياته" و يضيف أديب:" قضّيت بضع أشهر في السّجن بسبب اشكال إداريّ إذ كان الأمر يتعلّق بخلاف عائليّ تحوّل إلى مسألة قضائيّة لكن عند خروجي من السّجن تمتّعت بدعم من المصلحة الخارجيّة لإدارة السّجن ممّا مكّنني من الحصول على قرض لبعث ورشتي و أنا اليوم أستطيع أن أعيش حياة كريمة من عرق جبيني حتّى أنّني تمكّنت من تدريب بعض الشباب على هذه التّقنية".

إعادة الادماج

ينتمي أديب إلى مجموعة من السّجناء السّابقين تمّت دعوتهم لتقديم تجربتهم خلال المؤتمر الذي دار يومي 8 و 9 أكتوبر 2018 في فندق بالجزائر العاصمة تحت عنوان " الجزائر و الاتحاد الأوروبي، 10 سنوات من التّعاون في مجال السّجون: الحصيلة و الآفاق" ذلك أنّ الاتحاد الأوروبي من خلال برنامجين هامّين يبقى الشّريك الأساسيّ لوزارة العدل الجزائريّة و للمديريّة العامّة لإدارة السّجون وإعادة الإدماج في مسار انجاز الإصلاحات التي انطلقت منذ سنة 2005 في مجال السياسة السجنيّة.

تبدو على يوسف، الذي يصغر أديب سنًّا، علامات الخجل لكنّه تغلّب على خجله ليعرض مهاراته فهو مختصّ في الحدادة وينجز منتجات مختلفة مثل أعمدة المدارج. قال لنا يوسف:" انقطعت عن الدّراسة في سنّ مبكّرة ولم تتوفّر لي الفرصة لمتابعة تدريب مهني. بين 2013 و2015 قضّيت عقوبة بالسّجن ورغم صعوبة المكوث في السّجن تمكّنت من الانتفاع من تدريب في صناعة المعادن والحدادة وفور خروجي من السّجن أحاطت بي المصالح الخارجيّة التي مكّنتني من الحصول على مساعدة من الوكالة الوطنيّة للدّعم على تشغيل الشباب وعلى قرض بنكيّ لتمويل ورشتي" لذلك يعتبر يوسف هو أيضا أنّه قد نجح في الاندماج مجدّدا في المجتمع.

تشكّل مسألة إعادة الاندماج احدى الرّكائز الأساسيّة لإصلاح إدارة السّجون لذلك تعدّ كلّ ولاية مصلحة خارجيّة تعمل على اللقاء بالسّجناء قبل 6 أشهر من تاريخ خروجهم من السّجن وتعرض عليهم المقاربة وفي حالة قبولهم (التمشّي اختياريّ) تقترح عليه المصلحة مرافقته لإعادة ادماجه حسب اختصاصه والدّراسة أو التّدريب الذي تابعه خلال المدّة التي قضّاها في السّجن.

شرح لنا سليمان طيابي، مدير الدّراسات في المديريّة العامّة لإدارة السّجون وإعادة الإدماج ومستشار مشروع التّوأمة المؤسّساتيّة بين الجزائر وإيطاليا وفرنسا المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي من أجل "دعم إدارة السّجون" أنّ المصلحة الخارجيّة يمكنها "أن تساعد السّجين القديم على البحث عن عمل أو على بعث مشروعه الخاصّ".

سياسة سجنيّة جديدة

أطلق الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة مسار الإصلاحات سنة 1999 أي منذ أوّل سنة من عهدته الرّئاسيّة الأولى وقال لنا المدير العام لإدارة السّجون، مختار فليون:" جاء المبدأ العام لحركة التّحديث مع اللجنة الوطنيّة لإصلاح العدالة التي أنشأها رئيس الدّولة فقد أشار أعضاء هذه الهيئة في تقريرهم إلى أنّ السجناء هم الضحيّة الأولى لانتهاكات حقوق الانسان ذلك أنّ الوضع في سجوننا كان متردّيًا وكنّا نواجه مشكلة ارتفاع عدد السجناء المودعين في مؤسّسات يعود تشييدها إلى عهد الاستعمار. كانت السّجون قديمة جدّا ولا تسمح بتوفير ظروف احتجاز تضمن احترام الكرامة البشريّة كما أنّ الرّأي العام كان يحمل فكرة سلبيّة جدًّا عن المؤسّسات السجنيّة".

تمثّلت المرحلة الأولى من الإصلاح في إعداد قانون خاصّ بالقطاع واعتمد البرلمان الجزائري سنة 2005 قانون تنظيم السّجون وإعادة الادماج الاجتماعي للمحبوسين وفي هذا الصّدد قال مختار فليون:" دخلنا مباشرةً في مرحلة الإصلاح عبر توظيف وتدريب المهنيّين فعلى سبيل المثال لم يكن قطاع السّجون يعدّ أكثر من 70 أخصّائيًّا نفسيًّا أمّا اليوم فقد فاق عددهم 500 وتلقّى المدراء تعليمات بفتح قاعات القسم في المؤسّسات السجنيّة ليتمكّن السجناء من متابعة دراستهم".

الخبرة

لكنّ الجزائر كانت في حاجة للخبرة ولنقل حقيقيّ للتّجارب لتنجز مشروعها الاصلاحيّ بطريقة ناجحة وقد وجدت الحكومة الجزائريّة ما كانت تحتاجه من مرافقة لدى الاتحاد الأوروبي سنة 2008 بفضل "برنامج دعم إصلاح نظام السّجون في الجزائر".

انتهى المشروع سنة 2014 وكانت الميزانيّة الخاصّة به تناهز 18,5 مليون يورو رصدها الاتحاد الأوروبي منها 1,5 مليون يورو مساهمة من الطّرف المستفيد. وصرّح لنا سليمان طيابي أنّ " هذا البرنامج الأوّل سمح بتحسين إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للسجناء بعد انهاء عقوبتهم وبتحسين ظروف الاحتجاز والتّرفيع من كفاءة موظّفي السّجون وتحديث عمل السّجون والزّيادة في مستوى تأمينها وكذلك بتجديد نظام إدارة السّجون" وبذلك تمّ وضع اللبنات الأولى من "السياسة السجنيّة الجديدة"

تمّ تجاوز مرحلة أخرى من مراحل التّعاون في شهر ماي/مايو 2016 بالتّوقيع على مشروع التّوأمة المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي بين المديريّة العامّة الجزائريّة لإدارة السّجون وإعادة الإدماج ونظيريها الفرنسي والإيطالي.

عمل الشركاء على ثلاثة محاور كبرى تتمثّل في تحسين نظام التصرّف في الإدارة المركزيّة للمؤسّسات السجنيّة ودعم القدرة على العناية بالمساجين في إطار إعادة الاندماج وتعزيز أمن السّجون.

تعتبر مارتا كوستانتينو، مديرة عامّة لدى وزارة العدل الايطاليّة ورئيسة البعثة الايطاليّة في مشروع التّوأمة المؤسّساتيّة أنّ نتائج المشروع الذي وصل إلى نهايته في منتصف شهر نوفمبر 2018 قد تحقّقت بل تمّ تحقيق أكثر ممّا كان منتظرا في بداية المشروع وقالت لنا وابتسامة عريضة تعلو محيّاها:" حصيلة مشروع التّوأمة ايجابيّة جدًّا والتّعاون متين بين الشركاء الثلاثة. لم نكن دائمًا متّفقين وهو وضع سليم ولكنّنا أنصتنا إلى بعضنا البعض" وأضافت في ختام حديثها:" أعتقد أنّ مساهمة الإدارة الايطاليّة كانت ذات قيمة لأنّ النّموذجين الفرنسي والجزائري متقاربان نوعًا ما بسبب الرّوابط التّاريخيّة بينهما بينما وجهة النّظر الايطاليّة كانت مختلفة وهنالك تكمن قيمة المشاركة الايطاليّة بالنّسبة إلى الجزائر التي تعمل حاليًّا على بناء منظومتها الخاصّة بها".

أمّا بالنّسبة إلى نظيرها الفرنسي، برونو كليمو-بيترمان فهو يعتبر أنّ التّوأمة المؤسّساتيّة تمثّل إطارًا للتّبادل المفيد لجميع الشركاء:" لا يتمثّل دور فرنسا وإيطاليا في المشروع في بيان طريقة العمل للجزائر بل هو تبادل للممارسات بين المهنيّين ويمكنني أن أقول بكل ثقة أنّ نظام السّجون في الجزائر يحتوي على نقاط قوّة يمكننا أن نستفيد من ادماجها في نظامنا على غرار تعميم خدمات التّوجيه والتّقييم أو كذلك تجربة المؤسّسات السجنيّة ذات التوجّه الزّراعي".

جهود نحو الغاء عقوبة الاعدام

تعمل السّلطات الجزائريّة على النّهوض بنظام السّجون الجزائري الذي تمّ إصلاحه و الذي نجح في توظيف الخبرة الأوروبيّة لتعميمه على المستوى الجهوي إذ قال مختار فليون في حديثه متوجّهًا إلى مدراء إدارات السّجون في التشاد و السنيغال و موريتانيا و بوركينا فاسو الذين حضروا في المنتدى كضيوف شرف:" نحن مستعدّون لتقاسم تجربتنا" و هي مبادرة حيّاها سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر، جون أورورك :" نحن أيضا فخورون بهذه التجربة لأنّ الحلول التي اعتمدتها الجزائر هي لربّما الحلول الأفضل لأنّها تقوم على خصائص المنطقة".

اغتنم السّفير الأوروبي فرصة المؤتمر الذي تواصل يومين كاملين قبيل الاحتفال باليوم العالمي ضدّ عقوبة الإعدام ليذكّر بأنّ الجزائر أوقفت تطبيق عقوبة الإعدام منذ سنة 1993:" من المهمّ أن تعتمد البلاد نظاما سجنيّا ناجعا وانسانيّا في إطار الجهود الرّامية إلى الغاء عقوبة الإعدام وقد نجحت الجزائر في إيقاف تطبيق العقوبة منذ سنة 1993 رغم الظّروف الصّعبة في تلك الفترة (ملاحظة المحرّر: مقاومة الإرهاب الإسلامي) وهي تواصل إلى اليوم إيقاف التّطبيق ولذلك نريد أن نثني على الجزائر في هذا الشّأن".

يمكن إذًا أن يكون الغاء عقوبة الإعدام الامتداد المنطقي للإصلاحات الجديدة التي تمّ اعتمادها في قطاع القضاء.

 

الصحافة المحلية