النّساء الليبيّات: النّضال من أجل التّكافؤ

09-03-2020

هنّ طالبات وموظّفات أو مدرّسات وهنّ ليبيّات تحاولن شقّ طريقهنّ نحو الحريّة في بلد تنخره الحرب بعد أن فضّلن البقاء على الفرار والنّضال من أجل حقوق المرأة ومن أجل مواطنة متساوية بين الرّجل والمرأة. ضربن لذلك عرض الحائط بالقيود التي يفرضها المجتمع الأبوي وتخطّين جميع العقبات للانخراط صلب الجمعيّات التي تسعى لتعزيز دور المرأة في المجتمع المدني،الذي يقطع أولى خطواته في ليبيا، من أجل تغيير الوضع هنالك.

بفضل مشروع دعم القطاع الخاصّ في ليبيا المموّل من قبل الاتّحاد الأوروبيّ (EU4PSL) الذي تشرف على تنفيذه مؤسّسة خبراء فرنسا (Expertise France) انتفعن بتدريب لتنمية قدرات المجتمع المدنيّ الليبي حيث يهدف المشروع إلى تعزيز دور الشباب والمرأة في الاقتصاد الليبي وإلى تمكين المرأة من خلال دفعها نحو ريادة الأعمال.

ابتسام القصبي

تبلغ ابتسام 40 سنة. هي اصيلة مدينة الزّاوية وأمّ لأربعة أطفال وهي متحصّلة على الاجازة في الإعلاميّة. انخرطت في المجتمع المدني سنة 2011 والتحقت بالتّحديد بجمعيّة " 17 فبراير للمرأة وحقوق الطّفل". بسبب التزامها التطوّعي في هذا المجال اخضعتها ميلشيات القذافي إلى العديد من الاستجوابات خلال شهر مارس 2011 لكنّها سريعا ما تخلّت عن تلك الجمعيّة التي كانت تخصّ المرأة بدور ثانويّ. في الأثناء وبعد اندلاع النّزاع المسلّح في ليبيا شعرت ابتسام بأنّ حياتها في خطر فانتقلت للعيش مؤقّتا في تونس. سنة 2016، أسّست في تونس جمعيّة "مسارات للسلام و التنمية" وكانت تسعى إلى أن تكتسب الليبيّات الكفاءات التي من شأنها أن تمكنهن من الإضطلاع  بدورهنّ في إحلال السّلام والتّنمية.

تقول ابتسام في هذا الصّدد: " المرأة الليبيّة التي بدأت بتقديم الإغاثة والتعهّد باليتامى الذين خلّفتهم الحرب تتطلّع اليوم إلى التّدريب وإلى العمل في مجالات أخرى على غرار المناصرة من أجل التّكافؤ والمساواة". ذكرت ابتسام على سبيل المثال الحملة " بثلاثين ننطلق" التي تسعى إلى ضمان حضور المرأة في المجالس البلديّة والخطط العليا صلب المؤسّسات الحكوميّة الأخرى بنسبة لا تقلّ عن 30%. تعتبر ابتسام أنّ أكبر عائق لمسار المرأة هو انعدام الثّقة في طاقاتها إذ يعتبرها الكثير غير قادرة على الابداع وعلى الإدارة وأخذ القرار ولذلك ترفض ابتسام المشاركة الصّوريّة للمرأة التي تضطلع في أغلب الأحيان بمجرّد دور شكليّ. لكنّ ابتسام متفائلة بالمستقبل:" بدأت العقليّة تتغيّر ببطء بفضل الجهود التي تبذلها النّساء المثابرات اللاتي نجدهنّ اليوم في جميع المجالات وحتّى في الأوساط السياسيّة حيث تنظّمن العديد من حملات المناصرة". 

 

صفاء أحمد بوزغاية

تبلغ صفاء 34 سنة وهي عزباء، أصيلة مدينة بنغازي. تشرف صفاء، تطوّعا، على مشروع صلب جمعيّة "فاب لاب ليبيا" التي تأسّست سنة 2017. هي مهندسة اتّصالات لكنّها لم تنجح في ممارسة اختصاصها فقط لأنّها أنثى!  "ولأنّ الجميع يرفض توظيف امرأة في مجال يُعتقد أنّه خاصّ بالرّجال". تشغل اليوم صفاء خطّة مديرة مشروع لدى المجلس النّرويجي للاجئين وهي مكلّفة بتقديم الاستشارات القانونيّة. للتّعويض عن الإحباط الذي تشعر به وجدت ضالّتها في النّشاط الجمعيّاتي إذ " النّساء تنشطن صلب المجتمع المدني أكثر من الرّجال فأغلب الجمعيّات في ليبيا ترأسهنّ نساء".

أكّدت لنا صفاء انّ " المجتمع المدني مهمّ وهو العنصر الذي يدخل التّوازن على حياتي فأنا أربط داخله علاقات اجتماعيّة أكثر متانة من العلاقات التي أربطها في الوسط المهنيّ". تأسف صفاء لوجود العديد من العوامل التي تحول دون ازدهار وضع المرأة في ليبيا: " إلى الآن لا تستطيع المرأة السّفر لوحدها ولا يمكنها المشاركة في الاجتماعات لأنّها قد تجبر على الرّجوع إلى المنزل في أوقات متأخّرة. لقد تقدّم العالم لكنّ العقليّة الليبيّة تقهقرت". 

عائشة الصديق

تترأّس عائشة مجلس إدارة جمعيّة " العدالة والتّقوى المدنيّة بمرزق" وقد عدّدت لنا الأسباب التي دفعتها للانخراط في العمل الجمعيّاتي: " بعد 2011، شهدنا انهيار الاقتصاد وبسبب نقص السّيولة رفض الرّجال العمل دون مقابل في توزيع المساعدات المتدفّقة على ليبيا. حينها تطوّعت النّساء لنقل المساعدات فشرعنا بجرد من هم في حاجة للمساعدة لتسليمها لهم. من ثمّة جاءت فكرة بعث جمعيّة تختصّ في هذا النّشاط. كانت تجربتنا الأولى في العمل الجمعيّاتي قبل أن نشارك في نشاطات أخرى على غرار المشاركة في انتخابات سنة 2012 وتنظيم حملات توعويّة وتدريب 20 ملاحظا". أضافت عائشة قائلة: " لم يكن هنالك جمعيّات مختصّة ممّا جعلنا نعمل في مجالات مختلفة".

فيما يتعلّق بمسارها الدّراسي قالت لنا عائشة انّها مهندسة مدنيّة لكنّها لا تعمل في مجال اختصاصاها: " أنا موظّفة في مؤسّسة عموميّة لأنّ ذلك العمل الوحيد الذي يتوفّر للمرأة، في مكتب أو في مدرسة ولا يمكنها ابدا العمل على الميدان.  كظمت عائشة غيضها لتواصل كلامها: " تشكو المرأة الليبيّة من وطأة القواعد المجتمعيّة الذكوريّة التي تسنّها الأسر أو القبائل. فلا يمكن مثلا للمرأة أن تتنقّل دون أن يرافقها رجل من أقاربها أو أفراد عائلتها أو زوجها كما أنّ الحرب زادت في تعقيد الأوضاع لكنّ المرأة برهنت على قدرتها على المساعدة وعلى إرادتها وتوقها للتّغيير. لا بدّ من مزيد تعبئة النّساء للنّضال من أجل قضيّة المرأة". 

مفيدة النصري

تنتمي مفيدة أيضا إلى جمعيّة " العدالة والتّقوى المدنيّة بمرزق" وهي موظّفة في القطاع العام. شرحت لنا مفيدة انخراطها في النّشاط الجمعيّاتي بقولها: "أردت تخصيص جزء من وقتي لمساعدة غيري من الليبيّين. أدير برنامج ريادة لفائدة النّساء الرّاغبات في إطلاق مشاريعهنّ الخاصّة وتأمين استقلالهنّ الاقتصادي".

تشعر مفيدة بالسّعادة عند مرافقة النّساء في الخطوات الأولى نحو التّمكين حيث قالت لنا: " لقد فتحت لي هذه التّجربة الجمعيّاتيّة آفاقا جديدة. فعل الصّعيد الشخصي، أشعر بجدوى وجودي وبأنّني اكتسبت كفاءات جديدة".

واضافت مفيدة وابتسامة عريضة تعلو محيّاها: "رغم الظّروف الصّعبة المرأة الليبيّة قادرة على التألّق والبروز وعندما تنتهي الحرب ستتمكّن من احتلال مكانة أفضل".

فاطمة النيهوم

فاطمة طالبة لم تتجاوز الثانية والعشرين ربيعا. روت لنا تجربتها صلب جمعيّة "هكسا كنكشن" التي تأسّست سنة 2013 لتعتني بالتّنمية التّكنولوجيّة وبتعزيز قدرات المرأة داخل المجتمع. يوجد مقرّ الجمعيّة في طرابلس وهي تعمل على تعزيز مشاركة المرأة في عالم الأعمال من خلال التّدريب والحملات التوعويّة. التحقت فاطمة بالجمعيّة سنة 2018 كمتطوّعة وهي كذلك تؤمّن دروسا في الانجليزيّة في المدارس لفائدة اللاجئين. تريد فاطمة تغيير منوال التّعليم في ليبيا وتتوق إلى نشر استخدام التّكنولوجيات الحديثة في قطاع التّعليم وإلى مناهضة التّمييز بين الجنسين داخل المدرسة حيث لاحظ بكلّ اسف أنّ " العناية تتوجّه أكثر نحو الطّلبة من الذّكور لأنّ أغلب المدرّسين يعتقدون أنّه بعد الدّراسة يجب على البنت أن تقبع في المنزل".

أقرّت فاطمة بأنّ عملها الجمعيّاتي ساعدها على التقدّم وقالت وعلامات الفخر تغمرها: " تمكّنت من تثمين كفاءاتي في مجال التّواصل والالتزام". ومع ذلك تعتبر أنّ الدّرب مازال طويلا أمامها لكي تنجح فعلا في الانطلاق بحريّة. درب فاطمة ودرب كافّة الليبيّات زاخر بالتحدّيات حيث يشكّل" الزّواج القسري والتحرّش والتّكافؤ وحريّة التّعبير" معارك لا بدّ من خوضها. أنهت فاطمة حديثها بنبرة مفعمة بالأمل: " توجد العديد من بوادر التّغيير لكن الدّرب مازال طويلا فقد مكّنت الثّورة المرأة الليبيّة من هامش حريّة أوسع لكن دون أيّ ضمان فبعد استقرار الوضع في البلاد لا بدّ من مواصلة العمل لتعزيز وضع المرأة داخل المجتمع".

انجز هذا العمل بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و مؤسّسة خبراء فرنسا (Expertise France)